• Archives

أنظمة قبول أبناء المغتربين بمؤسسات التعليم العالي في السودان.. الفرص والتحديات / عثمان حسن عثمان

أنظمة قبول أبناء المغتربين بمؤسسات التعليم العالي في السودان.. الفرص والتحديات

د. عثمان حسن عثمان/ السودان ــ جامعة المغتربين

مدير برنامج نقل المعرفة بجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج، السودان.

 مداخلة ألقيت خلال مؤتمر تطوير الأنظمة التعليمية العربية، طرابلس / لبنان 22 و23 مارس 2019

      مقدمة

لم تعد الهجرة بأنواعها المختلفة ظاهرة إنسانية عشوائية مدفوعة برغبات وحاجات خاصة فردية أو جماعية، بل أصبحت ظاهرة عالمية، وصناعة اجتماعية واقتصادية مهمة، واستثمار في رأس المال البشري، وبالتالي توصف على أنها رديف للتنمية ووسيلة لنقل المعرفة والتجارب بين الشعوب والدول، ومصدر للتنوع والثراء الثقافي والاجتماعي. وتشير إحصائيات البنك الدولي للعام 2013م إلى أن هنالك نحو 340 مليوند.عثمان شخص يعيشون خارج بلدانهم التي ولدوا فيها ولهم تفاعلات اقتصادية، واجتماعية، وثقافية وسياسية ذات أثر فعال في الدول المرسلة  والمستقبلة على حد سواء.

وكان السودان أحد البلدان التى عرفت الهجرة منذ عهود بعيدة، وإزدات وتيرة هذه الهجرة منذ سبعينيات القرن الماضي، وتصاعدت بصورة كبيرة إلى مناطق الجذب التي تتوافر فيها ظروف اقتصادية أفضل مثل: المملكة العربية السعودية، و دول الخليج، و اوروبا و الولايات المتحدة الامريكية و كندا، وغيرها. لذلك جاء اهتمام الدولة بأمر تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج، والذي أصبح واقعاً ملحا مع التزايد المضطرد في أعداد العاملين بالخارج واستقرارهم بأسرهم في دول الاغتراب، وبطبيعة الحال رافق ذلك مشكلات عديدة، ومن بينها مشكلة تعليم الأبناء، والتي تمثل واحدة من أكبر  المشاكل المؤرقة للمغتربين خاصة في مجال التعليم العالي، على اعتبار أن التعليم العام والثانوي لا يمثل مشكلة للمغتربين لأنه متاح في معظم بلدان الإقامة. عادة ما يلجأ المغتربون في هذه الحالة إلى ارسال ابنائهم إلى بلدان أخرى تتوافر فيها فرص للتعلم بشروط مناسبة، أو بإرسالهم إلى الوطن.

لقد مثلت مشكلة تعليم أبناء المغربين البادية في طبيعة الأنظمة التى تم اعتمادها في تقييم ومعادلة الشهادات غير السودانية التى يحملها أبناء المغتربين، وفي الرسوم العالية التى تفرض عليهم، أحد المحاور الرئيسة لعمل جهاز تنظيم شئون السودانيين بالخارج المعني بإدارة الهجرة في السودان على مر السنيين، وسعيه المتصل  لايجاد الحلول المناسبة لها من خلال الدور التنسيقي الذي يضطلع به، وبالتالي يمكن التساؤل عن طبيعة الأنظمة التى اتبعتها الدولة لايجاد فرص لأبناء المغتربين للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي في السودان، والإجراءات المرتبطة بها، وهل كانت مرضية للمغتربين، وما الدور الذي يحسب لجهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج؟.

سنحاول من خلال المنهج الوصفي التحليلي الإجابة عن تلك الأسئلة لتوضيح تجربة السودان في التحاق أبناء المغتربين بمؤسسات التعليم العالي بالبلاد، وعكس تطورها عبر مسيرتها الممتدة من ستينيات القرن الماضي إلى اليوم من واقع السجلات والوثائق الرسمية، والدراسات ذات الصلة، والخبرة التى توافرت للبحاث من خلال اشتغاله في المؤسسات الهجرية المعنية.

التعليم العالي في السودان خلفية تاريخية

منذ تحول السودان إلى العروبة والإسلام بدأ ظهور نظام للتعليم، وهو ماعرف بنظام الخلوة التى تدرس الفقه والتصوف جنبا إلى جنب، واتخذ التعليم وقتها طابعا دينيا صرفا، مما أدى لأن يتشكل الوعي السوداني طبقا للمنهج الديني، وكما كان للمساجد دورها الكبير في تغذية هذا الوعي في سائر أنحاء السودان.

وتطور وضع التعليم في السودان مع مرحلة الاستعمار الإنجليزي حيث تم فتح المدارس، وإدخال بعض الأساليب الحديثة غير أن محتوي التعليم والمناهج التي كانت تدرس لم تخرج عن تخطيط الإدارة الإستعمارية، فظل التعليم مربوطا بمطلوبات البيئة الزراعية، وحاجات تسيير الإدارة الإستعمارية، ثم أتيحت فرصه الانتقال إلى التعليم العالي في حدود ضيقة جدا سواء بإنشاء كلية غردون التذكارية التي تم ربطها المباشر بجامعة لندن من النواحي الأكاديمية، أو ارسال بعض الدارسين لإكمال تعليمهم في الجامعات البريطانية عن طريق البعثات، وقامت سياسات التعليم في ذلك الوقت بصورة أساسية على التغريب بعزل الدارسين عن مجتمعهم بجعل أمر إدارة شؤون البلاد بيد القيادات القبلية والدينية، وتنشئتهم على النمط البريطاني في حديثهم وزيهم وطريقة أكلهم إلخ ….

وعقب الاستقلال حاولت الدولة السودانية ـــ في مراحلها المختلفة ـــ صياغة نظم تعزز دور التعليم في بناء الشخصية الوطنية، وبناء الهوية الحضارية، وتنمية المجتمع والنهوض به، وتطوير البحث العلمي، وتأهيل الكوادر الفنية والمهنية فقامت في مراحل مختلفة من تطور البلاد بإجراء تعديلات محدودة على المناهج الموضوعة منذ عهد الإستعمار، وفتح بعض الجامعات والمعاهد العليا، غير أن ذلك التوجه كان محدودا جدا، ولم يسد الطلب على التعليم العالي فقد واجهته كثيرا من التحديات. فأصبح الطريق معبدا للهجرة، ومن ثم بدت هجرة مبكرة للسودانيين لتلقي التعليم العالي في الخارج، واتجهت بصورة أساسية إلى كل من انجلترا، ومصر، والاتحاد السوفيتي ودول أخرى، فأصبح عدد طلاب التعليم العالي خارج البلاد أضعاف مضاعفة مع الدارسين بالداخل. وترجع خبرة السودانيين للدراسة بالخارج إلى عهود بعيد منذ عصر الفونج مطلع القرن السادس عشر، وأيام مملكة دارفور، حيث تم إنشاء أروقة خاصة بالطلاب السودانيين بالقاهرة.

وبمجيء حكومة الإنقاذ الحالية، ابتدرت توجها للتوسع في فرص التعليم العالي داخل البلاد، فيما عرف بثورة التعليم في العام 1990م، حيث أنشأت عشرات الجامعات والكليات والمعاهد في مختلف التخصصات غطت كل أنحاء السودان، وارتكزت هذه العملية على فكرة توطين التعليم وتأصيله طبقا للتوجهات العقائدية والثقافية والحضارية للدولة لتحقيق الأهداف والمباديء الآتية:

1/ ربط التعليم بالتوجه الحضاري للبلاد.

2/ إعادة صياغة المناهج بما يتفق مع توجه الدولة.

3/ تأصيل العلوم والمناهج والتقانة وإعتماد اللغة العربية في التدريس الجامعي مع الإهتمام بدراسة اللغات الأخرى.

4/ التوسع في فتح الجامعات الكليات والأقسام التى تتناسب مع كل ولاية وتلبي حاجاتها.

5/ السعي لربط الجامعة بالمجتمع للقيام بدور ثقافي واجتماعي.

6/ تشجيع قيام مؤسسات التعليم الأهلي وفقا للضوابط التي تضمن الجودة.

7/ العناية بالتعليم التقني والتدريب والدراسات العليا والبحث العلمي”[1]“.

ويجدر ذكره أن التعليم العالي في السودان ظل حتى الثمانينيات من القرن الماضي يتمتع بسمعة طيبة على مستوى المنطقة، وأسهم المتخرجون منه في نشر المعرفة، ودعم التنمية في عديد البلدان بخاصة في المنطقة العربية، إلا أنه لم يستطع المحافظة على مكانته وجودته بالنظر إلى التطور الذي شهده العالم من حولنا، والمتغيرات الحادثة فيه والذي تثبته المؤشرات التى تقيس مستويات التعليم سواء على المستوى العالمي أو على مستوى المنطقة، ويمكن تحديد بعض هذه العوامل التى أثرت في وضع الجامعات السودانية في التصنيف العالمي  للجامعات في واقع الحصار المضروب على السودان لما يزيد عن عقدين من الزمان، وانعكس بصورة مباشرة على الجوانب الآتية:

1/ ضعف البحث العلمي وقلة المبادرات العلمية المبدعة الناتج عن ضعف الدعم الموجه للبحث العلمي.

2/ عدم مواكبة الأساتذة والباحثين للتطور الحادث في العالم، لقلة فرص التواصل، والتبادل العلمي مع الدول المتقدمة

3/ عدم توافر البيئة المناسبة في مؤسسات التعليم العالي، وغير المحفزة على الإبداع والتفكير سواء على مستوى التجهيزات البنية التقنية، والوسائل والآليات، أو على مستوى التأهيل العلمي والأكاديمي للأساتذة الذي تجلى في عدم الرضاء المادي، أو المعنوي والعلمي.

4/ هجرة أعداد كبير من أساتذة الجامعات إلى خارج البلاد.

سياسات قبول أبناء المغتربين بالجامعات والمعاهد العليا

ظلت قضية توزيع فرص القبول لأبناء المغتربين في الجامعات السودانية قضية إشكالية ومثاراً للجدل المستمر، والذي أفرز تطبيق نظم عديدة للتقييم ومعادلة الشهادات غير السودانية بالشهادة السودانية العامة، فنجد منذ العام 1969م إلى العام 1983م كان نظام التقويم قائم على إضافة نسبة 10% للدرجة التي حصل عليها الطالب، واستبدل هذا التقويم بنظام التقدير بحيث تحسب (A) من (100 ـ 90) ، و (B)  من  (90 ـ 80) الخ ..كان لهذا النظام أثره السلبي بحيث لم يتمكن حملة الشهادة غير السودانية من دخول كليتي الطب والهندسة مما أدي إلى تغييره بنظام المعادلة استنادا إلى قرار مجلس الوزراء رقم  (419) لسنة 1990م ،الذي نص: “تكون الشهادة السودانية هي أساس القبول في مؤسسات التعليم العالي ويقاس عليها مايرد إلى الإدارة العامة للقبول من شهادات من الدول الأخرى” وأصبحت الشهادة السودانية هى الأساس الذي تتم معادلة الشهادات غير السودانية للمنافسة في القبول وتوزيع فرص القبول على ضوئه. أنتجت هذه العملية معامل معادلة لكل شهادة في ظل عملية مقارنة نسبة متوسط التحصيل لكل شهادة غير سودانية مع نسبة متوسط التحصيل في الشهادة السودانية، سمح هذا النظام بتأمين فرص قبول لحملة الشهادة غير السودانية في كليتي الطب والهندسة. وفي العام 2000م استخدمت طريقة الرتب المئينية التى تعتمد على تحديد درجة القبول لكل شهادة حسب ترتيبها النسبي ومساواته بالترتيب النسبي لطلاب الشهادة السودانية مثلا إذا كانت نسبة الأول في الشهادة السودانية 97% فإن النسبة المعادلة للأول في الشهادات الأخرى 97% أيضاً حتى ولو حصل علي 100%، وفي العام 2004م طبق نظام الكوتة الذي يعتمد على عدد المتقدمين من الشهادات غير السودانية مقارنة بعدد المتقدمين من الشهادة السودانية، ثم تحديد حصة كل دولة لكل التخصصات، غير أنه تم الرجوع عنه مرة أخرى لنظام الرتب المئينية في العام 2005م، وفي العام 2008 أضيفت امتحانات القدرات والتحصيل بالنسبة للطلاب من المملكة العربية السعودية عقب إلغاء نظام الامتحان الموحد للشهادة الثانوية السعودية، ويتم ذلك وفق النسب الآتية: 60% للشهادة الثانوية السعودية،  25% لإختبار التحصيل العلمي، 15% لاختبار القدرات لطلاب القسم العلمي، ونسبة 60% للشهادة الثانوية، و 40% لاختبار القدرات للقسم الأدبي”[2]“. وتم الرجوع مرة أخرى لنظام الكوته النافذ حاليا منذ العام 2014م بموجب قرار رئيس المجلس القومي للتعليم العالي رقم (78) لسنة 3013م، وثيتت الكوتة نسبة 5.97% للشهادات غير السودانية لمدة خمس سنوات، وتمثلت مبررات العودة لهذا النظام في الآتي:

1/ يحقق نظام الكوته قدراً كبيراً من العدالة لاعتماده على أوزان عدد الطلاب بين الشهادات المختلفة.

2/ إنه النظام المتبع في عديد البلدان مثل مصر والكويت والهند .

3/ المرونة العالية التي يتصف بها النظام ،كونه يقارن بين المتقدميين من الشهادات غير السودانية بالمتقدمين من الشهادة السودانية”[3]

ويمكن ايراد المقارنة بين نظام الرتب المئينية ونظام الكوته لتقدير حجم الفرص التي حظي بها أبناء المغتربين في فرص القبول في الجامعات السودانية في الجدول التالي:

الرتب المئينية الكوتة
تحديد درجة القبول لكل شهادة حسب ترتيبها النسبي ومساواته بالترتيب النسبي للطلاب في الشهادة الثانوية السودانية يعتمد علي عدد الطلاب المتقدمين من الشهادات العربية لكل دولة كنسبة من عدد الطلاب المتقدمين من الشهادة السودانية
بعد تحديد المعامل لكل شهادة يعتمد قبول طلاب الشهادات العربية على المنافسة مع طلاب الشهادة السودانية بعد تحديد الكوتة تصبح المقاعد حصراً على طلاب الدولة المعنية
في المنافسة للتخصصات الطبية والهندسية يحصل الطالب على المقعد حسب ترتيب الرغبات من هو لديه نسبة أعلى وذلك للشهادات العربية والشهادة الثانوية السودانية في المنافسة على التخصصات الطبية والهندسية يحصل على المقعد حسب ترتيب الرغبات طالب الدولة المعنية حسب المنافسة بين طلاب تلك الدولة
من حيث التطبيق يستطيع طلاب الشهادة العربية من المنافسة لكل التخصصات لكل أنواع القبول كما يمكنهم التحويل بين التخصصات أسوة برصفائهم من طلاب الشهادة السودانية تنحصر المنافسة والتحويل علي المقاعد المخصصة للدولة وذلك لكل انواع القبول
الشهادات التي يتأخر صدورها لاتنافس في القبول العام للدور الأول يمكن حفظ مقاعد الدول التي لاتلحق بالقبول للدور الأول والإعلان عن القبول لهم عند ظهور نتائجهم

وبالتالي لوحظ الزيادة في عدد المقاعد التى تحصل عليها أبناء المغتربين بصور أساسية في القسم العلمي ويمكن توضيح ذلك في الجدول أدناه:

التخصصات 2013م (الرتب) 2014م (الكوتة) 2015م (الكوتة) 2016م (الكوتة) 2017 (الكوتة) 2018م (الكوتة)
الطب 95 126 152 174 182 194
الأسنان 6 13 15 21 21 31
الصيدلة 17 26 28 28 35 40
الهندسة 256 360 425 472 498 556

ويبدو واضحا أن المزايا التى يتمتع بها نظام الكوته مكنت من زيادة عدد المقاعد التى يحصل عليها أبناء المغتربين في القبول، وساعد في ذلك جبر الكسر لصالح الشهادة غير السودانية، وتواحد الحد الأدنى للقبول لكل كلية دون تمييز بين الشهادات، وايجاد فرص لتمثيل الدول قليلة العدد من المتقدمين بقرار من لجنة معادلة الشهادات وكذلك توزع حصص القبول على النفقة الخاصة من الشهادة غير السودانية في القسم العلمي بالمقارنة مع عدد المتقدمين من الشهادة السودانية”[4]“.

لكن ظلت هذه السياسات التى أتخذتها الدولة والتي تمثلت في التنقل بين عديد النظم تحدد فرص إلتحاق  أبناء المغتربين بالتعليم العالي في البلاد محل انتقاد شديد من المغتربين، وأبرز ما أظهره هذا النقد نجمله فيمايلي:

1/ إن الشهادة السودانية المعيار لا تقس إلا مهارات الحفظ والتذكر، وبالتالي لم يتم الإلتفات إلى موضوعة التقييم المستمر، والأبحاث والتقارير العلمية، والإبداع على نحو ما هو معمول به في دول كثيرة، علما أن مدة التعليم العام في السودان إحدى عشر عاما بينما في الدول الأخري اثنا عشر عاما.

2/ إن التعليم العام في معظم الدول يشهد تطورا مستمرا في تحديث المناهج، واتباع أساليب مستجدة في الطرائق والأساليب التدريسية، والتقييم، والمعامل والمختبرات أكثر من السودان”[5]“.

أما نظام الكوتة برغم أنه اناح فرصا أكبر للقبول مقارنة بالأنظمة السابقة ظل منتقداً ومن أبرز أوجه نقده أنه لا يوفر العدد الكافي من المقاعد في الكليات المرغوبة مثل الطب، والهندسة بالمقارنة مع ما يمنحه للكليات الأدبية، وبالتالي ينافس عدد كبير من طلاب المساق العلمي على عدد قليل من المقاعد لا يقارن بالفرص المتاحة للتنافس في المساق الأدبي، لذلك تأثرت الحصص الممنوحة للكليات العلمية على كثرة المتقدمين بما منح للكليات الأدبية على قلة المتقدمين.

جهود جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج

وبما أن جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج يهدف إلى استدامة التميز في خدمة السودانيين بالخارج من حلال العمل عبر التنسيق مع كافة الشركاء، داخل البلاد وخارجها،كانت له مسيرة عمل طوال هذه السنين لايجاد صيغة عادلة تؤمن لأبناء العاملين بالخارج فرصاً مناسبة لمتابعة تعليمهم داخل البلاد، إزاء  ما تفرضه  سياسات القبول للجامعات السودانية بحسب نظم محددة لمعادلة الشهادات غير السودانية بالشهادة السودانية الأمر الذي ضيق في أحيان كثيرة فرص المتقدمين للالتحاق بالكليات المرغوبة داخل البلاد خاصة ككليات الطب والهندسة، لذلك عمل الجهاز ـــ بالتنسيق مع أجهزة الدولة ومؤسساتها ذات الصلة ـــ على تقديم المبادرات، وعقد الورش واللقاءات،  واجراء البحوث والدراسات التي تشخص المشاكل، وتقدم الحلول المناسبة لها ضمن المسعى الرامي لتطوير التعليم في الخارج ،والارتقاء به، وتأمين فرص الدراسة المناسبة لأبناء العاملين بالخارج بالجامعات السودانية. ويمكن إجمال تلك الجهود في الآتي:

أولا/ استدامة التفاكر  مع التعليم العالي

ظل الجهاز في تواصل مستمر، وعمل دؤوب مع الإدارات المختصة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي للوصول إلى معادلة منصفة وعادلة لأبناء المغتربين الراغبين في الدارسة بالجامعات السودانية والبحث عن صورة مثلى وأنظمة مناسبة تحقق معايرة عادلة ومنصفة بين الشهادات غير السودانية والشهادة السودانية، لتمكين أبناء المغتربين من مواصلة دراستهم داخل السودان، وحصولهم على رغباتهم. وفي هذا الإطار عقدت العديد من الورش العلمية بمشاركة مختصين وخبراء أكاديمين من داخل البلاد وخارجها وتمت لقاءات مع المغتربين في مهاجرهم المختلفة، وانعكست نتائجها في عمليات التحسين المستمر لتوسيع فرص أبناء العاملين بالخارج للدراسة داخل البلاد، و تخطي الواقع المجحف الذي يترتب عن نظام المعادلة المتبع لايجاد حلول مناسبة. ولعل ذلك بدا واضحا من خلال تطبيق عديد من الأنظمة بغرض الرسوُ على الخيارات الأفضل.

ومن جانب ثان، أثمر التباحث المستمر بين جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج وزارة التعليم العالي عن عقد البتروتكولات لتخفيض الرسوم الجامعية المقررة على أبناء المغتربين بما يناسب دخول الآباء، حيث بلغ التخفيض  25% من الرسوم في حالات القبول العام، وكذلك كان هناك تعاون وتنسيق مع الجامعات الأهلية في خفض الرسوم، خاصة للحالات الإستثنائية مثل إستعياب الطلاب السودانيين العائدين إلى الوطن في الحالات الطارئة .

ثانيا/ إنشاء المدارس السودانية بالخارج

كانت هجرة السودانيين إلى أنحاء عديدة من العالم واستقرارهم بها، أحد الدوافع التي قادت إلى التفكير في فتح مدارس سودانية بالخارج، تدرس المنهج السوداني لأداء الرسالة الأكاديمية والمعرفية والثقافية.لكن قيام تلك المدارس لم يفد فقط المغتربين السودانيين في تعليم أبنائهم والحفاظ علي هويتهم الحضارية وتغذية الشعور الوطني والقومي لديهم، بل أيضا عزز عمليات التفاعل الثقافي والمعرفي بين السودانيين وشعوب البلدان التي يقيمون فيها، فضلا عن تعزيز عري التواصل مع عديد الشعوب والبلدان التي يلتحق رعاياها بتلك المدارس للدراسة أو التدريس.

ولقد كان اهتمام الدولة بتعليم أبناء السودانيين بالخارج كبيرا من خلال تسهيل إقامة تلك المدارس والتوسع فيها، ومثُل جهاز تنظيم شئون السودانيين بالخارج رأس الرمح في هذه العملية، وظل يعمل منفردا، أو بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم أحيانا على دعم تلك المدارس، والإشراف عليها، وترقيه مستوى الأداء فيها، بحيث تكون بالمستوى الذي يعكس الصورة المشرقة للسودان، وتحقق أفضل مستويات الجودة والاتقان العلمي والتميز الأكاديمي، ولم تقف الرعاية عند هذا الحد، بل امتدت إلى ما يعرف بنظام الفصول الدراسية التي تنشئها الجاليات، بخاصة في البلدان الأجنبية، والمختلفة عنا ثقافيا، وحضاريا، بهدف المحافظة على الانتماء الوطني وصون الهوية الثقافية.

ونجد أن فكرة فتح مدارس سودانية بالخارج تدرس المنهج السوداتي  تعد يمثابة معالجة إستراتيجية، وجذرية لحل قضية معادلة الشهادات غير السودانية من جهة  أن الطالب الحاصل على شهادة سودانية من الخارج يعامل معاملة الطالب الحاصل عليها من الداخل للقبول فى الجامعات السودانية.

ولابد من الإشارة إلى أن هناك نوعين من المدارس: مدارس الصداقة (تشاد- ايران – باكستان – طرابلس إلخ… ) تتبع وزارة التربية ادارياً ومالياً وفنياً، ومدارس الجاليات التى تدير شئونها الجاليات السودانية فى دول المهجر، تتبع لجهاز المغتربين إداريا وماليا، ويتم التنسيق الفنى مع وزارة التعليم العام .ويرعى جهاز المغتربين مراكز الامتحانات، ومراكز القبول بالخارج للتقديم للجامعات والمعاهد السودانية .

ثالثا/ إستيعاب الطلاب العائدين في الظروف الإضطرارية

  أقام جهاز تنظيم شؤون السودانيين بالخارج برنامجاً تنسيقىً مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لاستيعاب الطلاب السودانيين العائدين من المهاجر عند العودة القسرية والطارئة، بموجبه تم استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب السودانيين العائدين في ظروف اضطراريه من العراق، ولبنان، ومن ليبيا مؤخرا، حيث تم استيعاب (1300) طالباً وطالبة ومن اليمن تم استيعاب (88)طالباً وطالبة”[6]” .

رابعا/ إنشاء جامعة المغتربين

تبنى مؤتمر المغتربين الرابع الذي انعقد في أغسطس عام 2000م ـــ برعاية جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج ـــ فكرة قيام جامعة للمغتربين، لتساعد في حل مشكلة استيعاب أبناء المغتربين في الجامعات السودانية، وقامت الهيئة القومية الطوعية لدعم التعليم العالي بالسودان، والتي تتكون من مجموعة من أساتذة الجامعات والخبراء السودانيين بمدينة الرياض بإعداد الدراسة للجامعة طبقا للنظم الحديثة من خلال شركة مساهمة عامة بين الحكومة والمغتربين وجهات أخرى .

وبعد مضي أكثر من خمسة عشر عاما على إعلان الفكرة، أعلن السيد رئيس الجمهورية في مؤتمر المغتربين الخامس أغسطس 2005م قيام جامعة المغتربين، وبدت الجامعة حقيقة قائمة في العام 2010م، وفتحت القبول للطلاب السودانيين جميعا، والأجانب، واستوعبت الجامعة عدداً كبيراً من أبناء المغتربين إلى جانب كونها خففت كثيراً من الأعباء المالية على المغتربين الذين كان تفرض عليهم رسوم عالية سواء في الجامعات الحكومية أو الخاصة أو في البلاد الأجنبيه كما قللت كثيراً من المصاعب التى تواجه دراسة الأبناء في البلدان الأجنبية، وبالتالي ربط أبناء المغتربين بوطنهم، هذا إلى جانب أهداف عامة أخرى علمية وأكادمية يحققها قيام الجامعة، واستقطاب الكفاءات العائدة من المهاجرين للتدريس في الجامعة[7]

خامسا/ التعليم الإلكتروني

سيرا في الاتجاة الاستفادة من ثورة الاتصالات وتقانة المعلومات، يحاول الجهاز بدءا من العام 2019م تأسيس بنية للتعليم عن بعد مستفيدا من خبرات بعض الشركات في هذا المجال، لإحداث نقلة حضارية في مجال تعليم أبناء العاملين بالخارج والذي لا يحقق فقط ضمان تلق التعليم والتفاعل المباشر مع معلميين أكفاء وضمان دراسة المناهج المناهج الوطنية فحسب، بل يضمن للدارسين فرصة متساوية في القبول في مؤسسات التعليم العالي مع المتقدمين من داخل السودان عبر التوظيف الأمثل للتقنية، واستهداف الجودة والتميز،  وبذلك يمكن إيجاد الحل الجذري لمشكلة معادلة الشهدات غير السودانية.

وشرع الجهاز من خلال الاتفاق مع وزارة التربية والتعليم ومن خلال المركز القومي للمناهج والبحث التربوي لتأليف جميع الكتب المنهجية ومراشد المعلمين لمرحلتي الأساس والثانوي، وإعداد الخطط التفصيلية للبرامج الدراسية، وإصدار النشرات المنظمة للمناهج والامتحانات المرحلية، وضبط مستوى التحصيل. كل ذلك من خلال محتوى إلكتروني تفاعلي أنتج خصيصا تحت إشراف مركز المناهج والبحث التربوي، يقوم بتحميلها على المنصة التفاعلية للمستخدمين وفق ضوابط متفق عليها، ومن ثم فإن الشهادة التى يحصل عليها الطلاب تكون معتمدة من الوزارة.

بإتباع هذا النظام سيحقق جهاز تنظيم العاملين بالخارج إضافة حقيقية في دعم وتطوير النظام التعليمي في السودان، من خلال التركيز على حل مشاكل تعليم أبناء المغتربين ويمكن الاستفادة من هذه التجربة وتطبيقها في خدمة المناطق النائية داخل البلاد.

خاتمة وتوصيات

  • تبدو الحاجة ضرورية لتحقيق الثبات في الأنظمة المناسية لتأمين فرص التحاق أبناء المغتربين بالتعليم العالي في البلاد، وأن يتم ذلك بناء على دراسات يشارك فيها خبراء ومختصين من الداخل وخارجها، ومن المنظمات المختصة، ومراكز البحوث لوضع أسس علمية تتصف بقدر من الضبط والديمومة والثبات لقبول أبناء المغتربين في مؤسسات التعليم العالي في البلاد
  • ضرورة الإنفتاح أكثر على أنظمة التقييم الحديثة المتبعة في العالم والقائمة على المهارت، والقدرات، لاعادة النظر في أنظمة معايرة الشهادات غير السودانية بالشهادة السودانية على أساس المتغيرات التي طرأت علي المناهج وإستفادتها من التقنية الحديثة .
  • تنفيذ مقترح التعليم الالكتروني وإعطائه أهمية قصوي، والسير قدما في تنفيذه وصولا إلى سعة غير محدودة العدد، وأن تستكمل هياكل منظومتة الناشئة ، وتتوفر البنية التحتية والتقنية التى تتطلبها نواح تحديثه وتطويره.
  • تدريب المعلمين بالمدارس الخارجية ورفع قدراتهم مهنياً إدارياً .
  • إعداد النظم واللوائح التي تنظم شئون المدارس السودانية في الخارج بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم.

المراجع

ـــ حسن محمد صالح. سياسات التعليم العالي. مجلة آفاق الهجرة:مركز السودان لدراسات الهجرة يونيو 2013م

ـــ حمد إبراهيم حمد. تعليم أبناء المغتربين .. سيرة الإنجاز والعطاء. مركز السودان لدراسات الهجرة فيراير 2012م

ـــ عاصم أحمد حسن. معادة الشهادات العربيةبالشهادة السودانية. آفاق الهجرة (عدد خاص). مركز السودان لدراسات الهجرة، اكتوبر 2013م

ـــ عبدالوهاب أحمد عبدالرحمن. جامعة المغتربين النشأة وآفاق التطور. الخرطوم: مصابع سك العملة ، 2019م

ـــ عثمان الحسن محمد نور. https://sudaneseonline.com/bord/499/msg  28/4/2016م

ـــ وزارة التعليم العالي. الإدارة العامة للقبول وتقويم الشهادات. وثائق غير منشورة، 2019م

[1] / حسن محمد صالح. سياسات التعليم العالي.آفاق الهجرة: مركز السودان لدراسات الهجرة، يونيو 2013م. ص45.

[2] / عاصم أحمد حسن. معادلة الشهادة العربية بالشهادة السودانية. آفاق الهجرة (عدد خاص): مركز السودان لدرسات الهجرة، أكتوبر 2013م، ص16ومايليها

[3] / وزارة التعليم العالي: الإدارة العامة للقبول وتقويم وتوثيق الشهادات. (وثائق غير منشورة) 2019م

[4] / وزارة التعليم العالي  الإدارة العامة للقبول وتقويم وتوثيق الشهادات.. وثائق غير منشورة،2019م

[5] / عثمان الحسن محمد نور. https://sudaneseonline.com/bord/499/msg  28/4/2016م

[6] / حمد إبراهيم حمد. تعليم أبناء المغتربين .. مسيرة الإنجاز والعطاء. تعليم المغتربين: السودان السودان لدراسات الهجرة،فبراير 2012م ص5/6

[7] / أنظر عبدالوهاب أحمد عثمان. جامعة المغتربين.. النشأة والتطور. الخرطوم: مطابع العملة.، 2019م


Share in top social networks!
Bookmark the permalink.

أضف تعليق