• Archives

المبادئ الأخلاقية المصاحبة لممارسات البحث العلمي / نادية عمراني

يواصل مركز جيل البحث العلمي حلقاته التكوينية والدورية في منهجية البحث العلمي في مقر الاتحاد العالمي للمؤسسات العلمية بالجزائر العاصمة، لطلاب الماستر – الماجستير والدكتوراه. ولقد كان موضوع الحلقة الأخيرة يدور حول

المبادئ الأخلاقية المصاحبة لممارسات البحث العلمي

من إعداد الدكتورة نادية عمراني / كلية الحقوق والعلوم السياسية جامعة البليدة2

 

 

مقدمة

 

يعد البحث العلمي مصدراً مهما،ً وإطاراً فعالاً يسهم إسهامًا كبيرًا في خدمة البشرية، ورافداً مؤثراً في تحقيق أهداف تنمية المجتمعات، ورفاهية المواطنين، ولتحقيق ذلك كان لابد من التأكد 2من صحة الطرق العلمية المنتهجة ووصدق ما توصلت إليه من نتائج.

ولن يتحقق ذلك إلا بتوافر مجموعة من القيم والمبادئ الأخلاقية خاصة وأن العملية البحثية ليست مجرد فهم لمجموعة من الأسس والإجراءات التـي تتـصل بتحديد المشكلة وإعداد التصميم البحثي وتجميع البيانات والتعامل الإحصائي مع تلك البيانات وكتابة تقارير البحث … وإنما هناك مجموعة من المعايير والقيم الأخلاقية التي تصاحب كل مرحله من تلك المراحل ،  وعلى الباحث أن يكون ملما بها.

وعليه سنتطرق في هذه المحاضرة للمبادئ الأخلاقية المصاحبة لممارسات البحث العلمي، بداية بتحديد مفهوم أخلاقيات البحث العلمي لننتقل للحديث عن هذه المبادئ.

المحور الأول: مفهوم أخلاقيات البحث العلمي

نحدد بداية تعريف الأخلاق ثم تعريف البحث العلمي

أولا) تعريف الأخلاق: أالأخلاق هي صفة في النفس تظهر أثارها في الكلام و السلوك العملي والمظهر الخارجي والصحبة المختارة.

ويقصد بصفة النفس، أن الخلق عبارة عن أمر حسن أو قبيح كامن داخل النفس، تصدر عنه الأعمال والتصرفات بتلقائية و يسر من غير حاجة إلى تفكر وتأمل، فكأنه طبيعة وسجية ويقصد بتظهر أثارها في الكلام والسلوك العملي والمظهر الخارجي والصحبة المختارة، أي أن الأخلاق الكامنة في نفس الإنسان تعرف من خلال كلامه وتصرفاته . أما عن الهيئة الخارجية وأصحابه تدل على وجود السجايا وعلى ما ينطوي عليه الشخص من خلق حسن أو قبيح[1].

ثانيا) تعريف البحث العلمي:

تتعد التعاريف حول البحث العلمي، ومن هذه التعاريف:

- البحث العلمي هو  بحث واستقصاء علمي منظم وموضوعي يقوم على أساس قاعدة بيانات لبحث مشكلة معينة أو تتبع ظاهرة ما ، وذلك بهدف الوصول إلى إجابات وحلول للمشاكل موضوع البحث أو تشخيص وتمحيص الظاهرة المبحوثة.

- البحث العلمي هو  الجهد العلمي المنهجي الذي يبذل للتوصل إلى حقيقة علمية تستخدم لمصلحة البشر ، وهو سلوك إنساني منظم يهدف إلى استقصاء صحة معلومة أو فرضية أو توضيح لظاهرة وفهم أسباب وآليات معالجتها أو إيجاد حل ناجح لمشكلة محددة تهم الفرد و المجتمع[2].

ومنه فإن المقصود بأخلاقيات البحث العلمي هي ضوابط خارجة عن ماهية البحث العلمي نفسه، تهدف إلى التحكم في سلوك الباحثين عند قيامهم بعملية البحث؛ ذلك أن هذه الأخلاقيات قيم ثابتة تحكم كل السلوك البحثي على اختلاف موضوعات البحث وتنوعها، وكذلك فإن هذه القيم ليست هي المؤثر الوحيد في نتائج البحث، وإنما هي واحد من مؤثرات كثيرة موضوعية تؤثر في هذه النتائج[3].

 

المحور الثاني: المبادئ الأخلاقية المصاحبة لممارسات البحث العلمي

إن تجاهل الباحث العلمي أخلاقيات البحث العلمي ينسف الصفة العلمية والقيمية عن عمله البحثي. فمن الضرورة ألا يتعرض الباحث لزملائه الباحثين من حيث خصوصياتهم أو كراماتهم أو نهج سيرهم، ومن أخلاقيات الباحث العلمي:  الأمانة العلمية،  كتمان سرية المعلومات أو خصوصيات المبحوثين، تجنب إلحاق ضرر مادي أو معنوي بعينة البحث ومحاولة الضغط على المبحوثين أو استفزازهم.  وكذلك فصل الحياة العلمية للباحث عن حياته العائلية أو الشخصية وتجنب الخضوع لمؤثرات حكومية هادفة إلى ترك البحث في شؤون عامة حيوية.

والمبادئ الأخلاقية المصاحبة لممارسات البحث العلمي تكون في كل مرحلة من مراحل إعداد البحث العلمي سواء المصاحبة لتخطيط البحث أو جمع البيانات أو لعملية التعامل مع البيانات.

وهو ما سنتطرق إليه فيمايلي:

أولا) المبادئ الأخلاقية المصاحبة لتخطيط البحث

عندما يبدأ الباحث في التفكير في مشكلة البحث وفي إعداد تصميم بحثي يجيب به عن التساؤلات المطروحة في المشكلة فإنه يجب أن يفكر في أمرين هامين :

الأمر الأول : ألا يكون خطة بحثه بمثابة نسخة مكررة طبق الأصل من دراسة أخرى سابقة بالشكل الذي يلقي ظلالا من الشك على أمانة الباحث العلمية . وهذا لا يمنع من أن يفكر الباحث في إجراء دراسة مناظرة لدراسة أجريت في بيئة أخرى إلا أن ذلك يجب أن يكون محكوما ببعض الضوابط منها: الإشارة الواضحة إلى الدراسة الأصلية ووجود أو فائدة علمية تبرر تكرير دراسة سبق إجراؤها في بيئة أخرى .

الأمر الثاني : ألا يكون هناك احتمال بأن تؤدى الدراسة المزمع إجراؤها إلى إلحاق ضرر ظاهر أو محتمل بأشخاص آخرين . وفي حالة احتمالية وقوع ضرر أو إلحاق أذى بأشخاص آخرين، فإن الباحث يجب أن يلجأ إلى من يستطيعون تقديم مشورة صادقة فيما يتصل بكيفية إجراء الدراسة لفائدتها العلمية مع تجنب إمكانية إلحاق أذى بالمشاركين في الدراسة.[4]

ثانيا) المبادئ الأخلاقية المصاحبة لعملية جمع البيانات :

تنشأ معظم المشكلات الأخلاقية في الفترة التي يقدم فيها الباحث على تجميع بياناته من المشاركين في الدراسة فتلك المرحلة بمثابة موقف صعب يحتاج فيه الباحث إلى أن يوازن بين العديد من القرارات التي تبدو متعارضة مع بعضها وخصوصا تلك التي تتصل بالأضرار المحتمل حدوثها للأفراد المشاركين في الدراسة .

على سبيل المثال : لو أن من بين إجراءات البحث إساءة معاملة الأطفال المشاركين في الدراسة ، وذلك من أجل الحصول على معلومات معينه قد تكون لها قيمتها من الناحية العلمية فإن السؤال الذي يجب أن يسأل في تلك الحالة هو هل يتم مثل هذا البحث من أجل الحصول على معرفه  جديدة على الرغم مما يسببه هذا من انتهاك للحقوق الخاصة للأفراد ؟ أم أن حماية تلك الحقوق الخاصة للأفراد تقتضي منا أن نضحي بمثل هذه المعرفة ؟

وبصفة عامة فإن المشكلات الأخلاقية المصاحبة لعملية تجميع البيانات تختلف حدتها من مجال لآخر فلنفكر على سبيل المثال في دراسة يتم فيها حقن بعض المرضى في مستشفي معين بخلايا سرطانية وذلك بغرض تحديد درجة مقاومة الأجسام البشرية لتلك الخلايا؛  مثل هذه الدراسة غير أخلاقية ويجب الاعتراض عليها حتى  لو كان المرضى على دراية تامة بما يقوم به الباحثون ،  وقبلوا التطوع في المشاركة فيها،  أما إذا لم يتلق المرضى تلك المعلومات أو أعطوا معلومات مضللة فإن الدراسة بذلك تكون قد انتهكت حقا من أخص حقوق الإنسان وهو أن يعرف ماذا يحدث له تماما قبل أن يتعرض لأي معالجة من المعالجات [5].

ومن المشكلات الأخرى التي يحتاج أن يفكر فيها الباحث التربوي مشكلة أثر تفاعله مع البيئة التي يجري فيها البحث بما يتضمن من مفحوصين على نتائج البحث .

 

ثالثا) المبادئ الأخلاقية المصاحبة لعملية التعامل مع البيانات :

وتتمثل تلك الصفات في حرص الباحث على سرية البيانات الخاصة بكل مشارك من المشاركين في الدراسة . ولا ينبغي على  الباحث أن يستغل تلك الأسرار في التشهير بالأشخاص الذين ائتمنوه عليها أو في ابتزازهم.  وما يصدق على التعامل مع البيانات الخاصة بالأفراد يصدق أيضا عند التعامل مع البيانات التي تشير إلى مؤسسة معينة بذاتها خصوصا إذا ما كانت تلك الإشارة تسيء إلى تلك المؤسسة على وجه التحديد .

مأزق أخلاقي آخر قد يقع الباحث عندما يجد أن النتائج التي حصل عليها بعد معالجته للبيانات تبرز عدم صحة وجهة النظر التي يتبناها البحث سواء كان التبني صريحا أو ضمنيا.  فقد يلجأ الباحث في مثل هذه الحالات إلى إجراء تعديلات في البيانات الخام تمكنه من أن يحصل على نتائج تدعم وجهة النظر المتبناة في البحث فإن ذلك يمثل إخلالا بالأمانة العلمية يعبر عن فهم منقوص لطبيعة البحث العلمي.  فالنتيجة البحثية سواء كانت إيجابية أو سلبية أم تعبر عن إسهام علمي بقدر إتباع الباحث لأسس وإجراءات البحث العلمي.  والتجاء الباحث إلى محاولة إجراء تعديلات في البيانات إنما يتم عن شعور داخلي بأنه لم يتبع تلك الأسس والإجراءات بشكل أمين[6] .

لذا فإن الباحث يجب أن يلتزم بتلك الأسس والإجراءات وأن يكون أمينا في تعامله مع بيانات بحثه وأن يكون موضوعيا في نقد تصميم بحثه لو جاءت النتائج مخالفة لتوقعات البحث كما يجب أن يدرك الباحث أن النتيجة التي يسجلها في تقريره البحثي بمثابة وثيقة ستداولها أجيال بعده وسوف يشهد الباحثون بها في مواقف عديدة .

قائمة المراجع:

1- عبد الله بوجرادة، أخلاقيات البحث العلمي والسرقة العلمية، جامعة قاصدي مرباح، السنة الجامعية 2016/2017

2-  محمد محمد سيد أحمد عامر جامعة الأزهر، دور الأنظمة واللوائح في مكافحة جرائم الإخلال بالنزاهة العلمية دراسة فقهية وتطبيقية، مداخلة القيت في منتدى الشراكة المجتمعية في مجال البحث العلمي والنزاهة العلمية،في 5و6 ماي 2015بالرياض.

3-   إياد أحمد محمد إبراهيم، دور الجامعات في تحقيق النزاهة العلمية، مداخلة القيت في منتدى الشراكة المجتمعية في مجال البحث العلمي والنزاهة العلمية،في 5و6 ماي 2015بالرياض.

4- ميثاق أخلاقيات البحث العلمي على الموقع:  http://kenanaonline.com/users/Amany2012/posts/397385

 

[1] – د/ عبد الله بوجرادة، أخلاقيات البحث العلمي والسرقة العلمية، جامعة قاصدي مرباح، السنة الجامعية 2016/2017، ص6

[2] – د. محمد محمد سيد أحمد عامر جامعة الأزهر، دور الأنظمة واللوائح في مكافحة جرائم الإخلال بالنزاهة العلمية دراسة فقهية وتطبيقية، مداخلة القيت في منتدى الشراكة المجتمعية في مجال البحث العلمي والنزاهة العلمية، في 5و6 ماي  2015 بالرياض، ص183.

[3] – د. إياد أحمد محمد إبراهيم، دور الجامعات في تحقيق النزاهة العلمية، مداخلة القيت في منتدى الشراكة المجتمعية في مجال البحث العلمي والنزاهة العلمية،في 5و6 ماي 2015بالرياض، ص670.

[4] – ميثاق أخلاقيات البحث العلمي على الموقع:  http://kenanaonline.com/users/Amany2012/posts/397385

[5] – ميثاق أخلاقيات البحث العلمي، مرجع سابق

[6] – ميثاق أخلاقيات البحث العلمي، مرجع سابق


Share in top social networks!
Bookmark the permalink.

أضف تعليق